محمد سعيد رمضان البوطي
10
من روايع القرآن
بالنقص في كل شؤونه مع تصوره الكمال المطلق بعقله ، فيشتدّ بها نحو غاية الكمال . وكلما ارتقى بها إلى درجة من درجاته اكتشف مزيدا من البعد بينه وبين غايته ، فهو لا يزال يفرّ من النقصان لأن حبّ الكمال مغروس في كيانه ، ولا يزال الكمال من فوقه لأنه من خصائص الخالق وهو مخلوق ، ولأنه من صفات الربّ جلّ جلاله وهو عبد ضعيف ! . فلئن وجدت أيّها القارئ في الكتاب - بعد هذا التهذيب الذي ذكرت - بقايا من مظاهر القصور والنقص - ولعلّك تجد منها الكثير - فذلك لأني لم أستطع أن أتحرر عن سمة النقص في ذاتي ، وما دان لي ذلك ، وليس لي من مطمع فيه . ولئن عثرت فيه على مظاهر التقدّم نحو الكمال ، فذلك من فضل اللّه عليّ وتوفيقه . ولقد رأيت أن العبد كلما ازداد بصيرة بضعفه وركونا إلى عبوديته زاده اللّه جلّ جلاله قربا إليه وتفضلا وإحسانا ، وكلما ازداد نسيانا لضعفه وتعاظما في نفسه ، زاده اللّه تعالى بعدا عنه ووكله إلى نفسه وشأنه فلم يأت منهما بطائل . وإني إذ أشكر اللّه تعالى على أن ستر نقصي بتوفيقه ، فإني لأشكر سائر الإخوة القرّاء الذين كانوا ولا يزالون يمنّون عليّ بملاحظاتهم واستدراكاتهم ، ومن لم يشكر النّاس الذين ألهمهم اللّه تعالى تذكيره ، لم يشكر اللّه الذي وفّقه للاستفادة من ذلك التذكير ! . . وليس العيب أن يعترف العبد بقصوره فيتلقّى بيد الشكر نصيحة الناصحين ، وإنما العيب كل العيب ما قد يتلبس به أحد رجلين : رجل يستكبر عن قبول الحق فهو يتباهى بين الناس بالباطل الذي ألصقه فيه كبره ، وآخر يلتقط مظاهر النقص في الآخرين فيشهرها بين الناس على رماح من ضغينته وحقده . ينبش السيئة من القبر الذي دفنت فيه وإن محاها ألف حسنة وراءها ، ويدسّ الحسنات في التراب مهما كان للناس خير في تجليتها وظهورها ! . .